ابن قتيبة الدينوري
460
الشعر والشعراء
فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب ، فقال له جرير : يا أمير المؤمنين ، نحن أشياخ ، وليس في واحد منّا فضل عن راحلته ، والإبل أبّاق ، قال : فنجعل أثمانها لك رقة ؟ قال : لا ، ولكن الرّعاء ، فأمر له بثمانية أعبد ، فقال جرير : والمحلب يا أمير المؤمنين ! فنبذ إليه إحداهنّ بالخيزرانة ، وقال : خذها لا نفعتك ! ففي ذلك يقول جرير : أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم منّ ولا سرف ( 1 ) 806 * قال أبو عبيدة : كان الفرزدق بالمربد ، فمرّ به رجل قدم من اليمامة ، فقال له : من أين وجهك ؟ قال : من اليمامة ، قال : فهل علقت من جرير شيئا ؟ فأنشده : * هاج الهوى بفؤادك المهتاج * فقال الفرزدق : * فانظر بتوضح باكر الأحداج ( 2 ) * فقال : * هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح * فقال الفرزدق : * ونوى تقاذف غير ذات خلاج ( 3 ) * فقال : * ليت الغراب غداة ينعب دائبا * فقال الفرزدق : * كان الغراب مقطَّع الأوداج * فما زال ( الرجل ) ينشده صدرا ( صدرا ) من قول جرير ، وينشده الفرزدق عجزا ( عجزا ) ، حتى ظنّ الرجل أنّ الفرزدق قالها ( وأنّ جريرا سرقها ) ، ثم قال
--> ( 1 ) هند وهنيدة : اسم للمائة من الإبل خاصة . والبيت في اللسان 4 : 449 . ( 2 ) توضح : كثيب أبيض من كثبان حمر بالدهناء قرب اليمامة . الأحداج : جمع « حدج » بكسر الحاء وسكون الدال ، وهو من مراكب النساء يشبه المحفة . ( 3 ) خلاج : يقال « نوى خلوج بينة الخلاج » أي : مشكوك فيها ، فهو يريد هنا أنها لا شك فيها ، وأصله من قولهم « اختلج الشئ في صدري وتخالج » أي : تحرك فيه شئ من الريبة والشك والبيت في اللسان 3 : 83 .